محمد أبو زهرة
1449
زهرة التفاسير
فالمعنى أنهم أشركوا باللّه أحجارا لم ينزل اللّه بها حجة مثبتة لصحة عبادتها ، لأنه لا دليل على سلامة هذه العبادة ، ولا يوجد دليل قط يؤيدها . ويصح أن يفسر السلطان هنا بمعنى القوة والتمكن ، والمعنى على هذا أنهم أشركوا بعبادة اللّه تعالى أشياء لم ينزل أي لم يجعل فيها قوة تنفع وتضر ، فهم يعبدون ما لا يملك نفعا ولا ضرا ، ويشركونه في العبادة مع الذي يملك كل شئ ، وهو الذي ينفع ويضر من غير شريك . والسببية التي أشار إليها سبحانه وتعالى في قوله : بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ لها توجيهان : أحدهما : أن اللّه تعالى يلقى الرعب في قلوبهم لأنهم عاندوا اللّه سبحانه ، وحادوه ، وأشركوا معه في العبادة ، ولأنهم ينشرون بهذا التفكير الفاسد الشر والفساد في الأرض ، واللّه تعالى لا يحب الفساد ، وهو ينصر الخير على الشر ، والصلاح على الفساد ، فالسببية هي إرادة اللّه تعالى التي بها قوام كل معوج وصلاح كل فاسد . وثانيهما : أن السبب في إلقاء الرعب من حالهم هم ؛ ذلك لأنهم يعبدون ما لا ينفع ولا يضر ، ولا تقوم عندهم حجة ولا شبه حجة على صلاحية ما يعبدون للعبادة ، ويكون الوهم هو الذي سيطر ، والهوى هو الذي تحكم ، ومن تتحكم فيه أهواؤه وأوهامه يكون مضطرب النفس مزلزل القلب تزعجه الكوارث ، ويضطرب عند نزول أي حادث ، فكان الشرك وتحكمه في النفس هو السبب في الرعب والخوف والفزع ؛ إذ هم يخافون من غير مخوف ، ويفزعون في غير مفزع . تلك هي حال الكافرين الذين ناوءوا أهل الإيمان ، كان سبحانه يلقى الرعب في قلوبهم ، ويثبت قلوب المؤمنين ، فهل هذه سنة أهل الإيمان مع المشركين وأشباههم دائما ؟ والجواب عن ذلك : أنه شأن المؤمنين حقا وصدقا إذا لم يضعفوا ولم يذلوا ، ولم يوالوا أعداء المؤمنين على المؤمنين ، بل يأخذون الأهبة ، ويغلبون الهدى على